أبو البركات بن الأنباري
115
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين
الزمان والفعل من المناسبة ، من حيث اتفقا في كونهما عرضين ، وأن الزمان حركات الفلك كما أن الفعل حركة الفاعل ، وكما أن هذه الإضافة لفظية ، فكذلك التصغير اللاحق فعل التعجب لفظيّ ؛ وكما أن هذه الإضافة لا اعتداد [ 64 ] بها ، فكذلك هذا التصغير لا اعتداد به . والوجه الثاني : إنما دخله التصغير حملا على باب أفعل الذي للمفاضلة ؛ لاشتراك اللفظين في التفضيل والمبالغة ، ألا ترى أنك تقول « ما أحسن زيدا » لمن بلغ الغاية في الحسن ، كما تقول « زيد أحسن القوم » فتجمع بينه وبينهم في أصل الحسن وتفضّله عليهم ؛ فلوجود هذه المشابهة بينهما جاز « ما أحيسن زيدا ، وما أميلح غزلانا » كما تقول : « غلمانك أحيسن الغلمان ، وغزلانك أميلح الغزلان » ولهذه المشابهة حملوا « أفعل منك » و « هو أفعل القوم » على قولهم « ما أفعله » فجاز فيهما ما جاز فيه ، وامتنع منهما ما امتنع منه ، ألا ترى أنك لا تقول « هو أعرج منك » ولا « أعرج القوم » لأنك لا تقول « ما أعرجه » وتقول « هو أقبح عرجا منك » و « هو أقبح القوم عرجا » كما تقول « ما أقبح عرجه » وكذلك لا تقول « هو أحسن منك حسنا » فتؤكده بذكر المصدر ؛ لأنك لا تقول « ما أحسن زيدا حسنا » فأما قولهم « ألجّ لجاجة من الخنفساء » وما أشبهه فمنصوب على التمييز . والوجه الثالث : إنما دخله التصغير لأنه ألزم طريقة واحدة ، فأشبه بذلك الأسماء ، فدخله بعض أحكامها ، وحمل الشيء على الشيء في بعض أحكامه لا يخرجه عن أصله ، ألا ترى أنّ اسم الفاعل محمول على الفعل في العمل ، ولم يخرج بذلك عن كونه اسما ، وكذلك الفعل المضارع محمول على الاسم في الإعراب ، ولم يخرج بذلك عن كونه فعلا ؛ فكذلك تصغيرهم فعل التعجب تشبيها بالاسم لا يخرجه عن كونه فعلا . وأما ما ذكروه من « ليس ، وعسى » فالكلام عليه من أربعة أوجه : أحدها : أن « ليس ، وعسى » وإن كانا قد أشبها فعل التعجب في سلب التصرف فإنهما قد فارقاه من وجهين ؛ أحدهما : أنهما يرفعان الظاهر والمضمر ، كما ترفعهما الأفعال المتصرفة ، فبعدا عن شبه الاسم ، وأفعل في التعجب إنما يرفع المضمر دون الظاهر ، فقرب من الاسم الجامد ؛ فلهذا دخله التصغير دونهما . والثاني : أنّ « ليس ، وعسى » وصلا بضمائر المتكلمين والمخاطبين والغائبين ، نحو : لست ولستم وليسوا ، وعسيت وعسيتم وعسوا ، كما تتصل بالأفعال المتصرفة ، وأفعل في التعجب ألزم ضمير الغيبة لا غير ، فلما تصرف ليس وعسى